أحدث القصص

عرض كل القصص

un-premier-amour-nassim-nesrine-53 | الحب الأول: نسيم ونسرين - 53

الحب الأول: نسيم ونسرين - 53

الفصل 53 "عزلة جديدة"

Nesrine

بعد شهر ونصف تقريبًا في هذه المدرسة المخصصة لأبناء الأثرياء المحبطين، علمتُ أنني سأخضع لتدريب عملي. تدريب في مجال القانون، لكن يبدو أن أمي لا تستمع إليّ بما يكفي لتفهم أنني أرغب حقًا في العمل ككاتب عدل. وليس في مهنة محاماة كئيبة ومملة.

محامٍ لعين! سينقلونني إلى بلد آخر بحجة الدراسة، لكنهم لا يكترثون حتى بتطلعاتي المهنية الحقيقية. على أي حال، متى كانت آخر مرة استمع فيها إليّ أحدٌ فعلاً؟

بدأتُ تدريبي في هذه الشركة منذ أسبوعين تقريبًا. لا بدّ أنه مكلف للغاية، فأنا الوحيد "المحظوظ" الذي يحظى بفرصة التدريب هنا منذ أربع سنوات تقريبًا. أو ربما هي شركة سيئة فحسب؟

إنها "السيد شاندلر" التي ستعلمني أساليب المهنة الملتوية. منذ اليوم الأول، أوضحت أنها لن تعلمني القانون المدني أو القوانين، بل الجانب العملي فقط. ههه، لا يهمني الأمر بتاتًا، فهذا ليس ما أريده أصلًا. دعنا نقول فقط إنها مجرد وسيلة لتمضية الوقت.

اليوم، أحضر اجتماعًا لزوجين مطلقين يتنازعان على حضانة طفلهما. مسكين الطفل، والداه يُعذبانه عذابًا شديدًا. لا تقلق يا صغيري، هذه مجرد بداية المتاعب.

نيكو: المتدربة *تفرقع أصابعها* قهوة طويلة.

نيكو محامٍ شاب. لا يتوقف عن الحديث عن انتمائه لعائلة من الطبقة العاملة وكيف شقّ طريقه نحو النجاح هنا. هراء! لا أرى أي نجاح في الجلوس وانتظار الناس ليؤذوا أنفسهم حتى تحصل على المال.

- *ضحكة مصطنعة* لديك ساقان وذراعان، أنت تعرف ما يجب فعله. *ابتسامة*

نيكو: ابقَ في موقعك الهرمي. *ينظر إليّ*

- وأنت، لا تُحمّل نفسك فوق طاقتك. *يفتح أبواب مكتب شاندلر*

نيكو: امرأة ذات شخصية قوية. *ابتسامة* فقط تذكري أن تغلقي أزرار قميصكِ عند وصول الزبائن.

بهلوان.

كانت تجلس على كرسي بذراعين من الجلد البني، والذي كان بمثابة كرسي مكتبها البسيط. ساق فوق الأخرى، وكان كعبها يتحرك بإيقاع مع أنفاسها.

جو: آه، منصور، لقد وصلت في الموعد هذه المرة! *ابتسامة*

- يمكنكِ مناداتي نسرين، كما تعلمين. *ابتسامة خفيفة*

جو: منصور، أعتقد أنه أجمل *ابتسامة* لا تنزعج. حسنًا، مع كل ما تحدثنا عنه مؤخرًا، من يجب أن يكون المسؤول؟ *أشارت لي*

- أعتقد ذلك - *بينما كنت أجلس*

جو: *تقاطعني* لا، أنت لا تفكر. المحامي لا يفكر، بل يعرف. يعرف ويؤكد بفضل كتابه المقدس، القانون المدني. *تبتسم* يجب ألا يكون لديك أي مشاعر، هل تفهم؟ حتى لو كان فرداً من عائلتك، فأنت تفكر بعقلك ومعرفتك. تنسى قلبك.

اسمع، هذا يبدو مثيراً للاهتمام حقاً.

مستحيل.

لكن أن أصبح محامياً ليس ضمن خططي المستقبلية على الإطلاق. أريد أن أصبح موثقاً، ومهنة التوثيق مختلفة تماماً.

ضحكت بخفة، ثم خلعت نظارتها ووضعتها برفق على شعرها الأشقر.

جو: ألا تحبين مهنة المحاماة إلى هذا الحد؟ إنها مهنة ثرية للغاية *الوقوف* للدفاع عن إخواننا في الإنسانية-

- *بقطعها* أو بإغراقهم أكثر في يأسهم. *يدير عينيه*

جو: لإظهار السلطة والبلاغة وجمال الكلام، والتحدث نيابة عن شخص ما وإعلان ذلك بصوت عالٍ وواضح.

جو: *تجلس على مكتبها* أنتِ متشائمة يا آنسة منصور. لكنكِ لستِ مخطئة، صحيح أننا بارعون في الكذب. *تضع يدها على كتفي* نحن بحاجة للكذب لنعيش.

هذا ما يقوله الكاذبون الكبار، فقط ليطمئنوا أنفسهم ويجعلوا أنفسهم يعتقدون أنه ليس لديهم خيار آخر.

- محامية، *تنهد* عندما لا تعرف المرأة ماذا تفعل بحياتها، تصبح محامية. وعندما لا يعرف الرجل ماذا يفعل بحياته، يصبح مهندسًا. وظيفتان رتيبتان ومملتان. *تدحرج عينيها*

باختصار، كان يومًا طويلًا. موقف عاديّ معتاد: زوجان يتشاجران بشدة بسبب طفل مسكين. من الجنون التفكير بأن هذا الطفل وُلد من شخصين كانا مغرمين ببعضهما بشدة، والآن يكرهان بعضهما. حتى أنهما صرخا وشتمنيا أمام طفلهما. الأم، بطبيعة الحال، كانت تبكي، بينما الأب، بنظرة باردة، كان يزيد الطين بلة. ومع ذلك، تجرّأا على إعادة الطفل دون خجل، وبدأا يتجادلان فورًا، كما لو كانا يساومان على سعر كيلوغرام من اللحم.

غادرت المكتب؛ كان الليل على وشك أن يحل.

نيكو: *يهرع للبحث عني* متدرب!

يمكنك أن تسميني عبداً وأنت تفعل ذلك.

تنهدت بعمق واستدرت، وحقيبتي في يدي.

- محامي ؟

نيكو: اتصلت امرأة تدعى أميرة في وقت سابق، وأرادت التحدث إليك. هل هي أختك؟

أشعر بضوء خافت بارد يمر عبر معدتي. كأنه منقذي، أعلم أنه أمر غريب.

- أميرة؟ نعم، إنها أختي. ماذا قالت لكِ؟

نيكو: *يُخرج مظلته* كانت تحاول الاتصال بك. أخبرتها أنك مشغول وأعطيتها رقمك الشخصي. لكن المكتب ليس المكان المناسب للاتصال بالأصدقاء، كما تعلم. *بنبرة متعالية*

شكراً لك. *وتابعتُ طريقي*

نيكو: هل تريدني أن أوصلك؟ لقد بدأت تمطر.

بالتأكيد لا. ركوب السيارات لم يجلب لي سوى المشاكل. لدي وسيلة نقل تناسبني تماماً: ساقيّ.

أرفض بأدب وأواصل طريقي، تحت قطرات المطر التي تلامس فروة رأسي، بينما أتعثر بمكياجي.

راقبتُ الأرض طوال الطريق، ورأسي منخفض، غارقة في أفكاري. من بعيد، أظن أنني كنت سأُعتبر مجنونة تُخطط لجريمة قتل. كانت نظرتي فارغة ومظلمة، ولم أُحرك عينيّ إلا لأرى الوقت.

وصلتُ أمام المبنى الذي أسكن فيه: مبنى مُتهالك، واجهته وحدها تعكس الفقر والبؤس. لكنه لم يكن يقع في مشروع سكني؛ بل كان مُحاطًا بحي راقٍ. راقٍ وأبيض ونظيف. لا يوجد مصعد، وكانت السلالم تُصدر صريرًا كلما وطئتُ عليها.

وصلتُ إلى المنزل. إلى هذه الشقة الصغيرة التي لا تحوي إلا الحد الأدنى من الضروريات: سرير، ودُش، ومرحاض، وثلاجة، وميكروويف. لا توجد غرفة معيشة، ولا حتى ممر. كل ليلة، حين أغفو، أدعو ألا أستنشق هذا الرصاص الذي ينخر في رئتيّ.

أستحم، وهو أمرٌ غير ممتع على الإطلاق. أقفز إلى السرير؛ المرتبة مسطحة وغير مريحة بتاتاً. لا آكل؛ ثلاجتي فارغة - ما الفائدة؟

اتصلتُ بنسيم عدة مرات، لكنه لم يُجب، وهذا غريب. لم أُعر الأمر اهتمامًا، ظنًا مني أنه نائم أو مشغول. فكرتُ فيه، وفينا. أعترف أن قصة هذا الزوجين اليوم جعلتني أُفكر. كل شيء بدأ بكذبة. بسبب كذبة، تحطمت علاقتهما وحبهما، وهما وطفلهما.

ماذا لو أخطأت؟ ماذا لو كنتُ مخطئًا تمامًا؟ مفلسًا تمامًا، وأظن أنني أفعل الصواب بينما أنا مجرد أحمق. لماذا الحياة صعبةٌ إلى هذا الحد؟ لماذا نحن ضعفاء إلى هذا الحد؟ في النهاية، هل الحياة صعبة أم أننا ضعفاء؟

نسرين تاجويل.

بعد أسبوعين.

لم يعد أحد يتصل بي أو يرد على مكالماتي. الحياة صعبة عندما لا يفكر بك أحد.

أشعر بالوحدة. وحدة قاتلة. حتى وأنا محاط بأربعة عشر محامياً، ما زلت وحيداً. تلك الفقاعة المظلمة من العزلة، التي ظننت أنها قد اختفت تماماً، تعود لتحيط بي من جديد. إنها تتسع وتزيد من عزلتي عن الناس. هذه الفقاعة المظلمة تبعدني عن هؤلاء الغرباء، وتجعلني أركز على نفسي، وتحزنني، لكنها في الوقت نفسه تحميني.

قبل مجيئي إلى هنا، كان هناك دائمًا من يرعاني. إما أمي عندما كنت في المنزل، أو منير فور خروجي. ونسيم. نسيم الذي، باحتضانه لي بين ذراعيه الحانيتين، منحني شعورًا بالراحة والطمأنينة. شعرتُ وكأنه عشٌّ يحميني من قسوة هذا العالم.

الآن أشعر بالخوف. من كل شيء ولا شيء في الوقت نفسه. أخشى أن يرغب الناس في إيذائي، وأن ينسوني... ربما تظنون أنني فتاة منحرفة تمامًا. ربما...

في ذلك الصباح، غادرتُ منزلي وشعري لا يزال مبللاً. البرد القارس أثّر في فروة رأسي بشدة حتى شعرتُ بألمٍ حاد. اتجهتُ نحو ذلك الحمام اللعين الذي كان يُزعجني أكثر من أي شيء آخر. لكن كان يراودني شعورٌ غريب بأنني مُراقبة، وكأن أحدهم يُحدّق بي، يُراقبني. كان شعوراً أشبه بالغريزة. أسرعتُ في المشي، وأنا ألتفتُ باستمرار. التفتُّ مراتٍ عديدة حتى أنني توقفتُ عن النظر إلى وجهتي. كم مرة كدتُ أتجاوز الإشارة الحمراء؟ كم مرة كدتُ أصدم سيدةً عجوزاً مسكينة؟

أرى هذا الشخص يتبعني منذ أن غادرت المبنى، هذا الشخص يختبئ. أصابني الذعر وركضت نحو المكتب.

كنتُ أتنفس بصعوبة وأشعر بالذعر.

أطللت من النافذة، أراقب الحي، أبحث عن ذلك الشكل لكنني لا أجده. لا أجده بعد الآن. حسنًا، إذًا كان مجرد هلوسة أو رجل يتنزه فحسب.

جو: منصور، هل أنت بخير؟ وجهك شاحب *تمسك بكتفيّ*

- نعم، نعم، نعم، نعم، هذا صحيح، هذا ما ظننته، لكن لا شيء، سأذهب *يلوح بذراعيه* سأذهب لأحضر بعض العصير من الطابق السفلي، أنا-أنا ذاهب *يسرع نحو الدرج*

نظرت إليّ وفمها مفتوح.

أتنفس بعمق. أتمدد. أستعيد توازني. رأسي يدور.

- عذراً على ما حدث سابقاً *ابتسامة خفيفة*

جو: لا تعتذري. يحدث هذا. هل شربتِ عصيرًا؟ شفتاكِ جافتان.

- نسيت... لا بأس، يمكنني الاستغناء عنه. *يخفض رأسه*

جو: *تنهد* هل كل شيء على ما يرام في منزلك؟ أقصد، هل لديك بعض...

لا، لا، لا بأس، أنا متعب قليلاً فقط، لا شيء خطير أؤكد لك. *أضغط على يديّ*

جو: اسمع، اذهب إلى المنزل. خذ *تُخرج محفظتها*، ما يكفي لشراء وجبة طعام، كُل شيئًا. لقد مكثت هنا شهرًا، ولديّ انطباع واضح بأنك فقدت وزنًا. *تنظر إليّ بنظرة يائسة*

أكره ذلك. أعرف تلك النظرة. كانت تلك النظرة التي تلقيتها طوال العام في المرحلة الإعدادية بعد وفاة والدي. ينظرون إليك بعيون دامعة، بشفقة تجعلك تشعر بالغثيان. والغريب أنهم يظنون أنهم يساعدونك، لكنهم في الواقع يزيدون الطين بلة، ويؤكدون تفوقهم عليك، وأن حياتك قد تغيرت جذرياً. كافحتُ لسنوات طويلة كي لا أرى تلك النظرة مجدداً، وها هي تعود.

- أنا لست بحاجة لمساعدتك *ينهض فجأة* أنا بحاجة إلى المزيد من الناس *يرفع صوته*

لم تفتحها، بل تركتني أذهب. هربت مسرعةً نحو منزلي. لم يكن شعري قد جفّ بعد، وها أنا ذا أعود إلى المنزل.

كانت الأرض ناعمة، وكل نظرةٍ تقع عليّ كانت بمثابة حكمٍ عليّ. سطعت أشعة الشمس على وجهي وسط البرد. تأوهت بخفوتٍ من شدة الحرارة التي تشع على خدي.

طوال اليوم، لا أفعل شيئًا. سوى أن أتناول بعضًا من هذه العلبة البائسة من كعكات المادلين الرخيصة. أغفو لبضع ساعات، غفوة مستحقة تُذكرني بغفوات طفولتي الجميلة. ذلك الوقت الذي لم تكن فيه حياتي كارثية ولا مكانًا للوحدة.

عندما استيقظت، كان الليل قد حلّ: الساعة 7:49 مساءً. انتابتني رغبة جامحة في تناول الحلوى. ارتديتُ سترتي الشتوية، التي أخفت رثاثة ملابس نومي، وأخذتُ النقود التي كنتُ أدخرها، ونزلتُ إلى المتجر الواقع على بُعد خطوات قليلة في الشارع.

لوتي، مفضلاتي.

أنا أتردد.

وأنا شبه مغمض العينين، أحاول جاهدًا فتح باب منزلي الأمامي، ثم أغلقه مرة أخرى.

أيقظني صوت الأنفاس الثقيلة ورائحة دخان السجائر الكريهة على الفور، ومنعاني من الالتفات. وقفت أمام بابي، وقد شلّني الخوف تماماً.

يزداد تنفسي حدةً وسرعةً. لم يعد جسدي يستجيب. أنا كتمثال، لا أتحرك، أشعر بالخوف.

هناك شخص ما في منزلي.

قصة: الحب الأول: نسيم ونسرين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot